عيد

استحضر روح الراحل محمد بن عيسى..نجاح باهر لإنطلاق النسخة 46 من مهرجان أصيلة الدولي

شهدت مدينة أصيلة انطلاقة استثنائية لموسمها الثقافي الدولي في دورته الـ46، وهي أول دورة تُنظم منذ تأسيس هذا المهرجان  في غياب مؤسس المنتدى وأمينه العام الراحل محمد بن عيسى، الذي ارتبط اسمه بهذا الموعد الثقافي البارز لما يقارب نصف قرن.

وافتُتحت الدورة بسلسلة كلمات وشهادات قدّمها رؤساء ووزراء سابقون وحاليون، إلى جانب مفكرين ومثقفين بارزين من إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، في لحظة جمعت بين سؤال الوفاء لروح المؤسس واستشراف مستقبل الموسم.

حاتم البطيوي، الأمين العام الجديد لمؤسسة منتدى أصيلة، اعتبر المناسبة “جرحًا مفتوحًا” بعد رحيل بن عيسى، الذي وصفه بـ“المعلم الملهم والرائد الفذ”. وأكد أن الراحل “غرس نبتة تحولت إلى شجرة وارفة امتدت أغصانها شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، بفضل قيم سامية وضعت الفكر والإبداع في صدارة الاهتمام”. وأضاف البطيوي أن المنتدى سيظل وفيًا لهذه الروح، مستمرًا في تعزيز قيم الحوار والتلاقي بين الثقافات تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.

الرئيس السنغالي السابق ماكي صال وصف الراحل بـ”الخادم الذي لا يكل”، فيما أكد الأمير بندر بن سلطان أن علاقته بالراحل كانت علاقة أخوة ومحبة ترجمت في مبادرات ثقافية أحدثت “نقاطا نوعية” في مسار أصيلة.

من جهته، اعتبر نبيل يعقوب الحمر، مستشار ملك البحرين لشؤون الإعلام، أن فقدانه هو بمثابة “فقدان جزء من الذاكرة وقطعة من الروح”.

أما وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، ففاجأ الحضور بكلمة وجدانية غير معتادة منه، وصف فيها الراحل بـ”المسيحي في السياسة”، في دلالة على أنه رمزا للتسامح والصفح، مؤكدا أن أصيلة باتت “يتيمة” بعده، مسترجعا نقاشاته معه حول عدم وقوف القطار السريع المتجه إلى طنجة في أصيلة، قبل أن يختم بالدعوة لأن تنجب المدينة “مسيحا آخر”.

ومن أوروبا، وصفت وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة أنا بلاسيو الراحل بأنه يجسد “أفضل تقاليد الدبلوماسية”، شخصية حساسة وملهمة، مؤمنة بأن الثقافة والسياسة جسور لا تنفصل.

بينما شدّد لويس أمادو، وزير الخارجية البرتغالي السابق، على قدرته على استشراف ديناميات التغيير في النظام الدولي.

أما الأمين العام للحكومة  محمد حجوي وصفه بـ”شخصية فذة متعددة الانشغالات”، استطاع أن يوفق بين مهام سياسية رفيعة وإدارة ناجحة لشؤون مدينة أصيلة.

وفي شهادة إنسانية، أكد جمال سند السويدي، نائب رئيس مجلس أمناء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أن نبل الرجل سيظل حاضرا بأعماله الخالدة.

أما مصطفى نعمان، نائب وزير الخارجية اليمني سابقا، فأشار إلى أن الراحل لم يكن يعيش “سعاداته السياسية”، بل كان كلما ارتقى ازداد تواضعا وقربا من الناس، جامعا بين السياسة والثقافة والعمل الاجتماعي والحضور الدولي.

من جهته، قال طارق غيلان، رئيس جماعة أصيلة وخليفة بن عيسى في قيادة المدينة، إن المناسبة “لحظة وفاء لرجل استثنائي منح أصيلة إشعاعًا دوليًا وجعل منها نافذة مشرعة على العالم بفضل رؤيته وإيمانه بقيم الحوار والتسامح”. وأضاف أن الثقافة، وفق ما علمهم الراحل، “ليست ترفًا بل رافعة للتنمية ووسيلة لتعزيز صورة المغرب في الخارج”.

غيلان شدد على أن المنتدى لم يعد مجرد تظاهرة، بل أصبح “مدرسة مفتوحة على الإبداع وملتقى لترسيخ مكانة المغرب كجسر حضاري بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب”. وكشف عن طموح أن تتحول أصيلة إلى “مدينة مبدعة وذكية، وفية لهويتها الأصيلة ومنفتحة على التحولات الرقمية، مع جعل التنمية المستدامة أفقًا موجهًا لمشاريعها السياحية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وإدماج الذكاء الاصطناعي كرافعة للابتكار”.

وتحدث الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بن عبد الله عن قدرة الراحل على الحفاظ على استقلالية منتدى أصيلة كفضاء حر للنقاش، رغم موقعه في قلب النخبة السياسية.

أما وزير الخارجية الليبي الأسبق عبد الرحمن شلقم، فاعتبر أصيلة تحت قيادته “ملاذا آمنا” يجمع القادة والمثقفين بعيدا عن صخب الخلافات.

وفي قراءة أكاديمية، شدّد الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية وعميد كلية الآداب بجامعة القاهرة سابقا، على أن المنتدى كان مختبرا فكريا أسهم في تشكيل وعي الأجيال العربية بقضايا الديمقراطية والتنمية.

وأبرز الخبير الاستراتيجي المصري مصطفى حجازي الجلسة بالتأكيد على أن دمج الثقافة بالسياسة ضمن رؤية تنموية مستدامة كان أحد أعمدة فكر محمد بن عيسى، وهو ما مكن المنتدى من الإسهام في مواجهة التحديات الوجودية التي تعيشها المنطقة.

وبين الوفاء لروح المؤسس واستشراف المستقبل، تواصل أصيلة ترسيخ موسمها الثقافي كأحد أبرز المواعيد الدولية للحوار والتلاقح الفكري والإبداعي، في امتداد لمسار رسخه محمد بن عيسى على مدى عقود.