عيد

خبراء وقضاة ومحامون يناقشون بطنجة حدود ضمانات المحاكمة العادلة في مشروع المسطرة الجنائية أو:

انتقد مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات الأسبق، مضامين ومستوى الإصلاح الذي عرفه قانون المسطرة الجنائية، معتبرا أن التعديلات التي أُدخلت عليه لم ترتق إلى التطلعات التي كانت معقودة عليه لتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وترسيخ الحقوق والحريات.

وخلال مداخلة له، الجمعة 12 يونيو الجاري، بإحدى الفنادق المصنفة، ضمن أشغال ندوة وطنية حول موضوع “قانون المسطرة الجنائية والمحاكمة العادلة: المظاهر والحدود”، نظمتها جمعية المحامين الشباب بطنجة، والتي قام بتسييرها الأستاذ “خالد بوفارك”، الكاتب العام لجمعية المحامين الشباب بطنجة شبه الرميد مسار إصلاح هذا القانون بوضعية القطار فائق السرعة الذي ينطلق بسرعة كبيرة قبل أن يجد نفسه مضطرا إلى تخفيض سرعته عند بلوغه القنيطرة بسبب طبيعة السكة الحديدية، في إشارة إلى ما اعتبره تعثرا في استكمال الإصلاحات المطلوبة.

وأكد الوزير السابق أن تحقيق محاكمة عادلة لا يرتبط فقط بوجود نصوص قانونية متقدمة، بل يتطلب بالأساس توافر قضاء مستقل مؤسساتيا وذاتيا، مشددا على أن استقلال القاضي يبقى رهينا بالمناخ السياسي العام السائد في البلاد.

وأوضح أن الأجواء السياسية الداعمة للاستقلال القضائي تمنح القضاة النزهاء الثقة اللازمة لممارسة صلاحياتهم باستقلالية وتجرد، بما ينعكس إيجابا على حماية حقوق المتقاضين وضمان شروط المحاكمة العادلة. وفي المقابل، اعتبر أن تراجع هذه الأجواء يجعل فقط القضاة الأكثر صلابة قادرين على الاستمرار في الدفاع عن استقلالهم رغم ما قد يترتب عن ذلك من تبعات.

وفي سياق متصل، استغرب الرميد عدم عرض قانون المسطرة الجنائية على المحكمة الدستورية، رغم إحالة قانون المسطرة المدنية عليها، معتبرا أن هذا الاختيار يثير العديد من علامات الاستفهام، خاصة في ظل وجود تخوفات من صدور مواقف أو قرارات غير متوقعة بشأن بعض مقتضيات النص.

كما سجل المتحدث ما اعتبره تراجعا عن أحد المطالب الأساسية المرتبطة بحماية حقوق الموقوفين، والمتمثلة في اعتماد التسجيل السمعي البصري خلال مراحل البحث والتحقيق، معتبرا أن التنصيص على هذا الإجراء من شأنه أن يعزز الثقة في المحاضر المنجزة، ويحمي في الوقت نفسه المواطنين والمؤسسة الأمنية، فضلا عن تحسين صورة المغرب في المجال الحقوقي.

وشدد الرميد على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في القوانين، وإنما أيضا في الجهات المكلفة بتنزيلها وتطبيقها، سواء تعلق الأمر بالقضاة أو المحامين أو ضباط الشرطة القضائية أو الخبراء وغيرهم من المتدخلين في منظومة العدالة، داعيا إلى التحلي بالإرادة والشجاعة اللازمة لمواصلة مسار الإصلاح وتحقيق عدالة منصفة.

من جانبه، تناول عبد الرزاق الجباري، الرئيس السابق لنادي قضاة المغرب، دور النيابة العامة في تكريس ضمانات المحاكمة العادلة، مبرزا المكانة المحورية التي تحتلها باعتبارها جزءا من السلطة القضائية، ومؤكدا أن اختصاصاتها محددة دستوريا بما يكفل حماية الحقوق والحريات.

وأشار الجباري إلى أن النيابة العامة تضطلع بالإشراف على مرحلة البحث التمهيدي، التي وصفها بأنها من أخطر مراحل الدعوى العمومية، معتبرا أن نجاح ضمانات المحاكمة العادلة يظل رهينا بتكامل عنصرين أساسيين هما جودة النص القانوني وكفاءة الجهات المكلفة بتطبيقه.

وفي معرض تفاعله مع بعض المواقف التي عبر عنها الرميد، دافع الجباري عن حق القاضي في اللجوء إلى سلطته التقديرية للحكم بالإدانة في بعض الملفات، حتى في الحالات التي يتم فيها التوصل إلى صلح أو تنازل بين الأطراف، إذا تبين له أن العدالة تقتضي ذلك .

 

وأوضح، في هذا السياق، أن وجود تنازل في بعض القضايا لا يعني بالضرورة انتفاء المسؤولية أو وجوب إنهاء المتابعة، مستحضرا مثال الاعتداءات الخطيرة التي تستهدف القاصرين، حيث رأى أن القاضي ملزم بالتصدي لها كلما توفرت لديه مؤشرات تدعو إلى الشك في ظروف التنازل أو خلفياته، مؤكدا أن الغاية الأساسية تظل تحقيق العدالة وليس مجرد تقليص عدد السجناء أو تخفيف الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية.